أحمد فارس الشدياق
47
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
في جميع الحيطان ، وما عدا ذلك فإن لها رواشن « 36 » خارجة من الحائط موضوعة بحيث تمنع النور والهواء ، وهي عالية لا يمكن لمن يكون في الحجر أن يرى منها شيئا إلا إذا كان واقفا فيها أو جالسا على كرسي وهي أشبه بما يسمّيه أهل الشام كشكا ، ويقال إن وجود هذه الرواشن بمالطة هو أحد الأدلّة على كونهم عربا إذ هي لا توجد في بلاد الإفرنج إلا في ما فتحته العرب منها ، وربّما كان في الدار الواحدة ثلاثة رواشن ، وقلّ أن تجد دارا ذات ثلاث طبقات صالحة للسكنى ، والأغلب اثنتان ، وإن وجد فالثالثة إنّما تكون للوازم الدار . وقلّ أن ترى فيها دارا مبلّطة بالرخام حتى إنّ قصر الحاكم ليس فيه ولا بلاطة منه ، وإنّما المستعمل في ديار كبرائهم البلاط المعروف ، ولكن يدهنونه بالزيت مرارا بعد أن يكشط وجهه فيصير له لون كالكهرباء ، وكذلك قلّ أن ترى في الديار التي تكرى خزائن أو مخادع أو رفوف ، وإنما يلزم شراء ذلك على حدته وليس فيها ولا في غيرها فوارات ولا ساحات فسبحة كديار دمشق ولا إسطبلات . ومن كان عنده فرس ربطه في الخارج ، وأقل من ذلك الممارات فإنّهم يشترون مؤنتهم يوما فيوما بل ربّما إذا ادّخروها فسدت كما تقدم ، ويرون ذلك تخفيفا للكلفة فإن صاحب العيلة إذا ربى في منزله الحيوان ، وخزن المونة واتّخذ الخبز كان له ولأهله شغل شاغل ، ولعل سبب ذلك في الأصل عدم انتقال الأسعار . ومما يقبح ذكره هنا أن أكثر البيوت الصغيرة ليس فيها مراحيض ؛ فيرفع أهلها أقذارهم في وعاء ، ويقذفون بها في الطرق ليلا فيأتي الكنّاسون للطرق صباحا ويزيلونها . وقد كانت العادة من قبل أن المحبوسين لجرائرهم هم الذين ينظّفون الطرق بأن يخرج بهم شرطي وهم مقيّدون . والظاهر أنّ المالطيين قبل مجيء الإنكليز إلى جزيرتهم لم يكن عندهم مراحيض وإنّما كانوا يستغنون عنها بثقوب ينقبونها في أسفل الدار ، وكانوا غير محتاجين إليها أصلا كما قال الشاعر : من يكن عيشه كعيشك هذا * فلتكن داره بغير كنيف
--> ( 36 ) الرواشن : جمع روشن : الكوة في الجدار ( فارسية ) . ( م ) .